ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )

17

الامامة والسياسة

والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة ، وعبيد الله بن زياد في القصر ، وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد ، وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب ، وكان عبيد الله أول من جفا العرب ، وأخذ منهم المحاربة اثنى عشر ألفا ليعتز بهم ، فوالله ما زادوه إلا ذلا ، فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر كيف يصنع ، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم ، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي من الأزد ، فدخل عليه الحارث . فقال : يا حارث ، قد أكرمتهم زيادا ، وحفظتم منه ما كنتم أهله ، وقد استجرت بكم ، فأنشدكم الله في . قال الحارث : أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا ، لما أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد . قال : فتهيأ عبيد الله ، فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها ، فأردفه الحارث خلفه ، فخرج به على الناس فقالوا : يا حارث ما هذه ؟ قال : تنحوا رحمكم الله ، هذه امرأة من أهلي ، كانت زائرة لأهل ابن زياد ، أتيت أذهب بها . فقال عبيد الله للحارث : أين نحن ؟ قال : في بني سليم ، فقال : سلمنا الله . قال : ثم سار قليلا ، ثم قال : أين نحن ؟ قال : في بني ناجية من الأزد ، قال : نجونا إن شاء الله . قال : فأتى به مسعود بن عمرو وهو يومئذ سيد الأزد ، فقال : يا أبا قيس ؟ قد جئتك بعبيد الله مستجيرا . قال : ولم جئتني بالعبد ؟ قال : نشدتك الله ، فقد اختارك على غيرك ، فلما رآهم عبيد الله يتراضون ويتناشدون ، قال : قد بلغني الجهد والجوع ، فقال مسعود : يا غلام : ائت البقال ، فأتنا من خبزه وتمره . قال : فجاء به الغلام فوضع . قال : فأكل ، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه . ثم قال : أدخل فدخل ، ومنارات الناس يومئذ من القصب ، وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا . قال : فكأن عبيد الله خاف . فقال : يا غلام ، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب ، فأشعل أعلاه نارا ، ففعل ذلك في جوف الليل ، فأقبلت الأزد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملئوها . فقالوا : ما لسيدنا ؟ قال : شئ حدث في الدار . قال : فعرف عبيد الله عزته ورفعته ، وما هو عليه . قال : هذا والله العز والشرف ، فأقام عنده أياما ، وعنده امرأتان امرأة من الأزد ، وامرأة من عبد قيس ، فكانت العبدية تقول : أخرجوا العبد وكانت الأزدية تقول : استجار بك على بغضه إياك ، وجفوته لك ، وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو ، فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج ، وهم في أربعة آلاف ، فقال مسعود : ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد الله . ثم قال : وكيف آمن عليه وهو منزلي ، ولكني أبلغه مأمنه ، ثم أعتذر إليهم . قال : وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة . قال : فأقبل مسعود يوما على برذون له ، وحوله عدة من الأزد عليهم السيوف ، وقد عصب رأسه بسير أحمر ، قال الهيثم : فقلت لابن عباس : لم عصب رأسه بسير أحمر ؟ قال : قد سألت عن